ابن كثير

84

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقال العوفي عن ابن عباس في قوله : فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ، يقول : من قتل نفسا واحدة حرمها اللّه ، فهو مثل من قتل الناس جميعا ، وقال سعيد بن جبير : من استحل دم مسلم فكأنما استحل دماء الناس جميعا ، ومن حرم دم مسلم فكأنما حرم دماء الناس جميعا ، هذا قول وهو الأظهر ، وقال عكرمة والعوفي عن ابن عباس : من قتل نبيا أو إمام عدل ، فكأنما قتل الناس جميعا ، ومن شدّ على عضد نبي أو إمام عدل فكأنما أحيا الناس جميعا ، رواه ابن جرير . وقال مجاهد في رواية أخرى عنه : من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا ، وذلك لأن من قتل النفس فله النار فهو كما لو قتل الناس كلهم ، قال ابن جريج ، عن الأعرج ، عن مجاهد في قوله : فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً من قتل النفس المؤمنة متعمدا ، جعل اللّه جزاءه جهنم ، وغضب عليه ولعنه ، وأعد له عذابا عظيما ، يقول : لو قتل الناس جميعا لم يزد على مثل ذلك العذاب ، قال ابن جريج : قال مجاهد : وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً قال : من لم يقتل أحدا فقد حيي الناس منه . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : من قتل نفسا فكأنما قتل الناس ، يعني فقد وجب عليه القصاص ، فلا فرق بين الواحد والجماعة ، ومن أحياها أي عفا عن قاتل وليه فكأنما أحيا الناس جميعا ، وحكي ذلك عن أبيه ، رواه ابن جرير « 1 » . وقال مجاهد في رواية : ومن أحياها ، أي أنجاها من غرق أو حرق أو هلكة ، وقال الحسن وقتادة في قوله : أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ، هذا تعظيم لتعاطي القتل ، قال قتادة : عظيم واللّه وزرها ، وعظيم واللّه أجرها : وقال ابن المبارك ، عن سلام بن مسكي ، عن سليمان بن علي الربعي ، قال : قلت للحسن : هذه الآية لنا يا أبا سعيد كما كانت لبني إسرائيل ، فقال : إي والذي لا إله غيره ، كما كانت لبني إسرائيل وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على اللّه من دمائنا ، وقال الحسن البصري : فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ، قال : وزرا ، وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ، قال : أجرا « 2 » . وقال الإمام أحمد « 3 » : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا حيي بن عبد اللّه عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد اللّه بن عمرو قال : جاء حمزة بن عبد المطلب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه ، اجعلني على شيء أعيش به ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « يا حمزة نفس تحييها أحب إليك أم نفس تميتها ؟ » قال : بل نفس أحييها . قال « عليك بنفسك » . قوله تعالى : وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ أي بالحجج والبراهين والدلائل الواضحة ،

--> ( 1 ) تفسير الطبري 4 / 543 . ( 2 ) الآثار السابقة رواها الطبري في تفسيره 4 / 543 . ( 3 ) مسند أحمد 2 / 175 .